القراءة والكتابة جناحان يحلّق بهما العقل البشريّ نحو المعرفة والإنتاج؛ فبالقراءة نكتشف العالم، وبالكتابة نعيد تشكيله ونمنحه أثرًا ممتدًّا. وليس من المصادفة أن يبدأ الوحي الإلهيّ بالأمر: ﴿اقرأ باسم ربّك الّذي خلق﴾ [سورة العلق: الآية 1]، ثمّ يبرز دور التّوثيق وصناعة المعرفة في قوله تعالى: ﴿الّذي علّم بالقلم﴾ [سورة العلق: الآية 4]. في هذا التّوجيه الرّبّانيّ إشارةٌ بليغةٌ إلى أنّ بناء الإنسان يبدأ بالاستيعاب عبر القراءة، ويكتمل بالتّعبير والتّوثيق عبر الكتابة.
غير أنّ هذه المرتكزات التّأسيسيّة الّتي شكّلت وعي الإنسان لقرون، باتت تقف اليوم أمام اختبارٍ حقيقيّ في ظلّ متغيّرات العصر؛ فبعد أن كان مفهوم الأمية يقتصر على معرفة القراءة والكتابة أعيد تعريفه ليشمل الكفاءات الرقمية والإعلامية والمعلوماتية والقدرة على التعلم المستمر. إذ أحدث التّسارع التّقنيّ المعاصر تحوّلًا جذريًّا في بنية المنظومات التّعليميّة، وتضاعف هذا التّحوّل إثر جائحة (كوفيد-19) الّتي فرضت التّباعد والانتقال القسريّ نحو التّعليم الافتراضيّ؛ الأمر الّذي حوّل الأجهزة الذّكيّة والمنصّات الرّقميّة إلى ملاذٍ يوميّ وأساسيّ للدّراسة والتّواصل والتّرفيه. وترافق ذلك مع طفرةٍ غير مسبوقةٍ في تطبيقات التعلم المختلفة ولا سيما تعلّم اللّغات بمساعدة الذكاء الأصطناعي، واعدةً بنقلةٍ نوعيّةٍ في إمكانات تفريد التّعليم وإتاحة مصادر المعرفة المفتوحة. ومع ذلك، لم تكن هذه الوعود التّقنيّة خاليةً من التّبعات، فقد كشفت الشّواهد الميدانيّة والدّراسات الدّوليّة عن تراجعٍ مقلقٍ أصاب جناحي التّعلّم: القراءة أوّلاً، ثمّ الكتابة.
فعلى صعيد القراءة، قاد الاستخدام العشوائيّ وغير المنضبط للتّكنولوجيا قطاعًا عريضًا من الطّلاب إلى فخّ الاستهلاك السّلبيّ؛ فاستنزفت طاقاتهم في التّصفّح المشتّت، وتراجعت قدرتهم على المعالجة المعرفيّة العميقة والتّركيز الطّويل. وقد وثّقت المؤشّرات الرّسميّة هذه الفجوة؛ حيث أشارت نتائج تقرير منظّمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة (بيزا 2025) إلى التّراجع العالميّ في كفاءة القراءة لدى الطّلاب، وهو ما يعزى بالأساس إلى الإفراط في الجلوس أمام الشّاشات وقضاء أوقاتٍ طويلةٍ في متابعة منصّات التّواصل الاجتماعيّ.
ولم تكن الكتابة بمنأى عن هذا التّراجع؛ إذ أدّى إحلال الأجهزة الإلكترونية مكان الدّفتر والقلم إلى ضمور المهارات الحركيّة الدّقيقة وضعف الذّاكرة العضليّة المسؤولة عن الرّسم الإملائيّ السّليم، وهو ما حذّر منه تقرير اليونسكو العالميّ لرصد التّعليم (2023) بخصوص تداعيات الإفراط التّقنيّ على نواتج التّعلّم التّأسيسيّة. وبناءً على هذه المعطيات المقلقة، اتّجهت نظمٌ تعليميّةٌ متقدّمة (مثل: السّويد، وهولندا، وفنلندا، وبريطانيا، وفرنسا) إلى سنّ سياساتٍ تعيد الاعتبار للكتاب المطبوع والكتابة اليدويّة، مع فرض تقييدٍ صارمٍ لاستخدام الشّاشات والهواتف داخل البيئة الصّفيّة.
وأمام هذا المشهد التّعليميّ المزدوج بين التّراجع والتّصحيح، يقف المعلّم في قلب المعادلة كحجر زاويةٍ للتّغيير، فقد أوجدت التّقنية فرصًا كبيرةً لتطوير مهارات المعلّمين التّنظيميّة، وأتاحت لهم الاطّلاع على تجارب ونماذج وممارساتٍ تدريسيّةٍ عالميّة ناجحة. إلا أنّ هذه المكتسبات وضعت في الوقت نفسه مزيدًا من التّحدّيات أمام المعلّم لمواجهة تراجع المهارات التّأسيسيّة في القراءة والكتابة لدى تلاميذه؛ وهو ما يفرض عليه ضرورة إعادة التّركيز على المهارات الأساسيّة مثل: الوعي الصّوتيّ، والطّلاقة، ومهارات استيعاب المقروء.
ولم يعد كافيًا الوقوف عند حدود الفهم الحرفيّ، بل بات لزامًا تعزيز مهارات القراءة المتقدّمة الّتي تضمن تفاعل القارئ الحيويّ مع النّصّ وكاتبه، حتّى لا يبقى الطّالب مُتلقّيًا سلبيًّا فيعجز عن تمييز الغثّ من السّمين ومن أبرزها :القراءة النّاقدة مثل :القدرة على تمييز الحقائق الدّقيقة من الآراء الشّخصيّة، وتقييم موثوقيّة المصادر في ظلّ التّدفق الهائل للمعلومات والأخبار الزّائفة. إضافة إلى مهارات القراءة المعمّقة لاستعادة القدرة على التّركيز الطّويل لاستيعاب النّصوص والأفكار المعقّدة. بدلا من عادة التّصفّح السّريع الّتي فرضتها وسائل التّواصل الاجتماعيّ ، كما تعد مهارة الوعي المعلوماتي من المهارات الضرورية التي تشمل مهارة الفرز والانتقاء، وعدم التّسليم المطلق للإجابات الجاهزة الّتي تقدّمها أدوات الذّكاء الاصطناعيّ دون فحصٍ وتمحيصٍ بشريّ.
وتُعد قطر من الدول الرائدة التي تنبهت لهذا الأمر مبكرا ، ففي تصريح لوكالة الأنباء القطرية قالت السيدة فاطمة العبيدلي مساعد مدير إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي : إن دولة قطر تترجم شعار اليوم الدولي لمحو الأمية لعام 2026 “محو الأمية تحقيقا لمصلحة الشعوب والأرض والازدهار” وأكدت العبيدلي، أن الوزارة تتبنى مفهوما شاملا لمحو الأمية يتجاوز القراءة والكتابة ليشمل المهارات الرقمية والإعلامية والمعلوماتية، من خلال توظيف التقنيات الحديثة في التعليم، وتعزيز مهارات استخدام المنصات التعليمية والبحث عن المعلومات وتقييمها، كما يتم التركيز على تنمية الوعي بالتقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي بما يمكن الدارسين من التفاعل الإيجابي مع التحولات الرقمية ومتطلبات المستقبل”.وكالة الأنباء القطرية، 2026(
ولتفعيل هذه المهارات في الغرفة الصّفيّة، فإنّ صقل قدرات المعلّم لا يتأتّى بين ليلةٍ وضحاها، بل يحتاج إلى مسار نمو مهنيّ ومتابعة مستمرّة للمستجدّات في المجال الرّقميّ، إضافةً إلى تطبيق الاستراتيجيّات التّدريسيّة الّتي أثبتت فاعليّتها في سدّ الفجوات التّعليميّة وجذب انتباه الطّلبة وضمان تفاعلهم. كما أنّ إشراك الطّلاب في اختيار النّصوص المتنوّعة سياقيًّا وثقافيًّا يسهم إسهامًا فاعلاً في إثراء حصيلتهم اللّغويّة وتحفيز شغفهم المعرفي.
والمحصّلة من ذلك هي أنّ القارئ الواعي الّذي يمتلك هذه الأدوات والمهارات يتعلّم بصورة أسرع، ويحلّل النّصوص بشكلٍ أعمق، وينقل أفكاره من خلال الكتابة بأسلوب واضح وبراهين مقنعة .
وختامًا؛ فإنّ رسالة المعلّم التّربويّة اليوم تتجاوز مجرّد نقل المعرفة أو تلقين المهارات المجرّدة، إنّها غرسٌ لبوصلة الفكر والوعي في عقول الطّلاب ليكون متعلما مدى الحياة ، وتكون المهارات التي تعلموها شراعًا وأمانًا ليبحروا بثقةٍ واقتدار في فضاءٍ رقميّ مزدحم، وبحرٍ معرفيّ متلاطم الأمواج.
المراجع :
منظّمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة. (2026). نتائج بيزا 2025: تقييم أداء الطّلبة في القراءة والرّياضيات والعلوم (المجلّد الأوّل). منشورات منظّمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة.
منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة (اليونسكو). (2023). التّقرير العالميّ لرصد التّعليم 2023: التّكنولوجيا في التّعليم: أداة بشروط من؟. منشورات اليونسكو.
وكالة الأنباء القطرية. (2026، 8 سبتمبر). من القراءة والكتابة إلى المهارات الرقمية.. مفهوم جديد لمحو الأمية في القرن الحادي والعشرين